|| مادة علمية حول ||
مقاطعة الاحتلال الإسرائيلي
مقدمة:
إن مقاطعة الأعداء ومحاصرتهم وعزلهم وسيلة فعالة استفادت منها شعوب عديدة على مدار التاريخ، وأثبتت نجاعتها في تحقيق أهداف وطموحات المظلومين بالحرية والاستقلال. كما تعتبر المقاطعة بأشكالها المختلفة - بما فيها المقاطعة الاقتصادية - إحدى وسائل الدفاع عن النفس بين الدول ضد المعتدين والخصوم، كما تعتبر وسيلة من وسائل الضغط الجماعي التي تستخدمها مجموعة من الدول؛ لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والعسكرية.
تاريخ المقاطعة في تراثنا الاسلامي:
تعود المقاطعة إلى ما قبل 1400 سنة، ففي السنة السابعة من بعثة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، خضع هو وأصحابه وأقرباؤه من بني هاشم وبني عبد المطلب وكل من انحاز إليهم أو عاونهم حتى لو كان كافراً إلى مقاطعة شاملة، اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تمثلت في حصار شعب أبي طالب من قبل كبار كفار قريش. حيث قرر التحالف الآثم ألا يناكحوا المحاصرين ولا يبايعوهم، ولا يشتروا منهم، ولا يجالسوهم ولا يسمعوا لهم، ولا يكلموهم، ولا يدخلوا بيوتهم حتى يسلموا الرسول r. لكن هذه المقاطعة باءت بالفشل. والشاهد: أن أسلوب الحصار أو المقاطعة أسلوب قديم جداً استخدمه المشركون ليضغطوا على المسلمين كي ينزلوا على رغباتهم منذ أربعة عشر قرناً.
كل الغزوات والسرايا التي كانت قبل غزوة بدر الكبرى، بل حتى غزوة بدر ذاتها، كان المقصد منها اعتراض قوافل قريش التجارية وأخذ أموالها وحصارها اقتصادياً، فسرية حمزة إلى (سِيف البحر)، وسرية سعد بن أبي وقاص إلى (الخرّار)، وغزوة الأبواء (ودّان) وسرية عبيدة بن الحارث إلى (رابغ)، وغزوة (بُواط)، وسرية عبدالله بن جحش إلى (نخلة)، وغزوة (العُشَيرة) التي أفلت فيها أبو سفيان بالقافلة في ذهابه إلى الشام، وهي القافلة ذاتها التي خرج النبي صلى الله عليه وسلم يريدها حين عادت نادباً إليها أصحابه قائلاً: "هذه عير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعل الله يُنفّلكموها"، لكنها أفلتت فكانت غزوة بدر الكبرى! فكل تلك الغزوات والسرايا كان هدفها الأول هو الحصار الاقتصادي واعتراض القوافل وقطع تجارة قريش، إضعافاً للعدو وكسراً لشوكته وهذا هو مفهوم المقاطعة.
قصة ثمامة بن أثال (رضي الله عنه) لمّا أسلم، فقطع تجارة الحنطة عن قريش التي كانت تأتيهم من قِبَله من اليمامة، وأقسم لهم: "ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبّةُ حنطة حتى يأذن فيها النبي r، وخبره هذا في الصحيحين. فكان ثمامة (رضي الله عنه) بذلك أول مقاطِع تجاري للعدو في الإسلام -بمعناه الاصطلاحي-، فإنه استشعر دوره ضد قريش لكفرها وحربها لرسول الله r، واستخدم سلاحه الذي يملك وقاطع تجارتهم، فكان في ذلك إرهاق قريش وتجويعها، حتى أرسلوا إليه r يسألونه بالرحم أن يكتب إلى ثمامة ليُخلي لهم حمل الطعام، فكتب له النبي r بذلك ورفع الحصار.
مبررات المقاطعة:
* دينياً: من منطلق عدة آيات:
- قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ } أوجب الله تعالى على المؤمنين مجاهدة الكفار والمنافقين، إما وجوباً عينياً أو كفائياً، بإلحاق الضرر بأي وسيلة كانت ومن ذلك المقاطعة.
- قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ } والمقاطعة نَيْلٌ من الكفار وإغاظة لهم، وما كان كذلك فهو محبوب إلى الله.
* أخلاقياً: من غير المنطقي وليس مبرراً أن يكون لنا إخوة يدفعون حياتهم ودماءهم فداء لهذه الأرض وللمسجد الأقصى في حين تتم خيانة هذه التضحيات إما بشراء المنتجات ودفع ثمن الرصاص الذي يقتلون به أو بالاعتراف الغير ضمني بشرعية قتلتهم ومستبيحي دمائهم من خلال التعامل معهم. ومن هنا جاء الواجب الأخلاقي للمقاطعة.
* وطنياً: من سرق الوطن وجبت مقاطعته وتشويه صورته وإلحاق الضرر به حتى يعيد الحق لأصحابه.
* سياسياً وتاريخياً: كما أثبتت تجارب الشعوب فإن المقاطعة وسيلة سلمية آمنة لا يمكن لأي شخص وصفها بالإرهاب وتحقق مكاسب عظيمة وأهداف كثيرة.
أشكال المقاطعة:
- المقاطعة الاقتصاديّة:
* تبلغ واردات إسرائيل إلى أراضي السلطة الفلسطينية أكثر من 3 مليار دولار سنوياً إذ تعتبر السوق الفلسطينية ثاني سوق للمنتجات الصهيونية بعد أمريكا مما يعني أن مقاطعة منتجاته من المفترض ان تؤدي لنتائج كارثية على الجانب الاسرائيلي اذا تم الالتزام بالمقاطعة.
* المقاطعة الاقتصادية سلاح رادع على كافة المستويات السياسية والاقتصادية، فمن خلال عملية حسابية بسيطة- أن الشعب العربي البالغ 300 مليون نسمة إذا قاطع منه 100 مليون فقط منتجًا صهيونيًّا أو أمريكيًّا أو بريطانيًّا قيمته دولار واحد فالخسائر التي ستلحق بالشركات تلك 100 مليون دولار يوميًّا، وهذا في منتج واحد فقط، أما إذا فعَّلنا المقاطعة لتشمل منتجات عديدة فسوف يُرغم الحكومات والأنظمة الغربية على اتخاذ مواقف غير التي تنتهجها الآن.
يعد الاقتصاد الاسرائيلي من أقوى الاقتصادات في المنطقة، حيث وصل ناتجه المحلي الاجمالي حتى منتصف 2015 إلى حوالي 284 مليار دولار، حسب الاسعار الجارية. كما تمتع الاقتصاد الاسرائيلي بنمو مضطرد على مدى السنوات القليلة الماضية، تراوحت نسبته ما بين 5.5% و 7.5% بين العامين 2007-2012، مع الاشارة الى تأثره القليل بالأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008، وجزء من هذه الاسباب يعود للمساعدات والتسهيلات الاقتصادية السخية الممنوحة من الولايات المتحدة وأوروبا لإسرائيل. لكن بفضل حملة المقاطعة كان من المتوقع أن يحقق الاقتصاد المحلي نسبة نمو أعلى من 1.5% بالربع الثاني من العام 2015، لكنها استقرت فعليا عند 0.3%. وكان الاقتصاد الإسرائيلي قد سجل نسب نمو بلغت 2% في الربع الأول من العام 2015، و3.3% في الفترة نفسها من العام الماضي، وفق مكتب الإحصاء المركزي.
- المقاطعة السياسية:
هي الحملات التي تسعى إلى قطع العلاقات مع دولة إسرائيل. ويدير هذه الحملات الرافضون لشرعية إسرائيل واحتلالها للأراضي الفلسطينية وسياسة إسرائيل تجاه الفلسطينيين على مدار الصراع العربي الإسرائيلي. فمثلاً في يونيو 2010 قررت نقابة عمال الموانئ النرويجية، مقاطعة السفن الإسرائيلية التي ترسو في موانئ النرويج احتجاجا على الممارسات الإسرائيلية بحق أسطول الحرية. أدى ذلك بإسرائيل لسن قانون يجرّم المس بدولة إسرائيل بواسطة المقاطعة، صودق على القانون في دورة الكنيست ال18، في 11 تموز 2011 ويعرف القانون في الخطاب العام الإسرائيلي باسمه المختصر " قانون المقاطعة". بحسب القانون يمنع حملة الهوية الصهيونية أو المنظمات العاملة في إسرائيل من العمل لأجل فرض المقاطعة على المؤسسات الإسرائيلية أو المستوطنات الإسرائيلية أو الجهات المختلفة التي تقيم علاقت معها. كما أدى بعد ذلك بالحكومة الاسرائيلية إلى إنشاء وزارة لمواجهة حملات المقاطعة العالمية ضد المستوطنات المقامة على أراضي الضفة الغربية.
- المقاطعة الثقافيّة والأكاديميّة والطبية:
تهدف إلى عزل "إسرائيل" معنويًّا، وكشفِ ضلوع مؤسّساتها الأكاديميّة والثقافيّة في تبرير القمع ودعم الحرب والعنصريّة. لأنّ المؤسّسات الأكاديميّة والقانونيّة والطبيّة الإسرائيليّة ضالعةٌ في قمع الشعبِ الفلسطينيّ:
أ) عبر بناءِ روايةٍ كاذبةٍ عن "الديمقراطيّة الإسرائيليّة".
ب) عبر محاصرةِ أو منعِ الروايات التاريخيّة الحقيقيّة للنكبة الفلسطينيّة.
ج) عبر تقديم مبرّرات وجوديّة وأخلاقية من أجل قمع الشعب الفلسطينيّ.
د) عبر الإسهام المباشر في دعم آلة الحرب الإسرائيليّة.
ه) عبر الإسهام المباشر في المشاريع العنصريّة.
و) عبر تزويد المحاكم العسكريّة بمتخرّجي القانون من الجامعات الإسرائيليّة المختلفة.
- المقاطعة النقابية:
لا تقل أهمية عن المقاطعة السياسية والاقتصادية كون النقابات هي أجسام تضم الفئات الفاعلة في المجتمع. فمثلاً أعلن الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين مقاطعته لإسرائيل كما أعلنت نقابة عمال الكهرباء والإذاعة الأمريكية مقاطعتها. كذلك أعلنت نقابة أساتذة الجامعات في بريطانيا واتّحادُ نقابات العمّال في جنوب أفريقيا واتّحاد الصحافيين البريطانيين ونقابات عدّة مهمة في كندا، وأخرى في إيرلندا واسكتلندا وغيرها انضمامهم إلى حملة مقاطعة اسرائيل. وأيد كل من مجلس الكنائس العالمي، ومجلس كنائس جنوب أفريقيا، وكنيسة إنكلترا، وغيرها المقاطعة الصهيونية.
- المقاطعة الرياضية:
نقصد بها تجاهل الرياضيين الإسرائيليين وتجريدهم من امتيازاتهم الرياضية. فبسبب المقاطعة لإسرائيل أستثني الرياضيون الاسرائيليون وحتى الفرق الإسرائيلية من المنافسات في العديد من المنافسات الدولية. كذلك فإن بعض الرياضيين العرب والمسلمين يرفضون دخول أي مباريات تجمعهم بلاعبين إسرائيليين. وحتى بعض الدول تمنع لاعبيها من مواجهة لاعبين إسرائيليين.
- المقاطعة الفنيّة:
تقوّض من صورة العدوّ "الحضاريّة"، وتسهم في منع "تطبيع" جرائمه بذريعة انفصال الفنّ عن السياسة. لأنّ قيام الفرق الفنيّة العالميّة بتقديم عروضها داخل كيان العدوّ يُسهم في التغطية على جرائمه، فيستغلّ ذلك "ليطبّعَ" تلك الجرائمَ في العقول، ولسانُ حاله يقول: "اعزفوا ما شئتم وسأواصلُ القتلَ والتهجيرَ والتمييز العنصريّ!" وهذا ما سيشجّع فنّانين آخرين على تقديم العروض هناك. وقد وَعَت "الحملةُ الفلسطينيّةُ للمقاطعة الأكاديميّة والثقافيّة لإسرائيل" ذلك، حين اعتبرت المشاركةَ الفنيّةَ أو الثقافيّة العالميّة داخل الكيان الغاصب عملًا متواطئًا مع الاحتلال و(الأبارتهايد) بذريعة أنّ "الفنّ هو من أجل الفنّ" ولا علاقة له "بالسياسة.".
هل المقاطعة بديلٌ من المقاومة المسلحة؟
لا شك أن الشعوب لا تنتصر على جلّادها بأسلوبٍ واحدٍ من المقاومة، بل بتظافر أشكالٍ متعدّدةٍ منها. والمقاومة المسلّحة، تحديدًا، هي في العادة من صنع قلّةٍ متفانية، ومقدامةٍ، وشابّةٍ في الأغلب. أمّا المقاطعة فأوسعُ جمهورًا، وتتيح لفئات الشعب كافّةً المشاركةَ في العمل المقاوم، لأنّها قد تشمل الأطفالَ والمسنّين والعمّالَ والمزارعين والأطبّاءَ والمهندسين والأغنياءَ والفقراءَ والمتعلّمين والأمّيّين، ذكورًا وإناثًا. كما أنّ المقاطعة يمكن أن تفْعل فعلها بصرف النظر عن توافر أجواء الحريّة السياسيّة في البلاد أو غيابها: فلا أحد يستطيع أن يجبرَنا، مثلًا، على استهلاك منتجاتٍ إسرائيليّةٍ أو داعمةٍ للكيان الصهيونيّ، ولا على شراء أسطوانات فنّانين مروّجين للصهيونيّة، أو على حضور حفلات فرقٍ أحيت عروضًا هناك غاضّةً النظرَ عن الاحتلال. لا أحد يجبرنا على ذلك حتى في عزّ الاستبداد داخل بلداننا، أو في ظلّ معاهدات "صلح" رسميّةٍ مع العدوّ.
ثم إنّ المقاطعة ليست شكلًا رئيسًا من أشكال النضال الفلسطينيّ والعربيّ وحسب، بل هي كذلك أكثرُ أشكال التضامن الدوليّ مع حقوقنا فاعليّةً وتأثيرًا، وذلك نظرًا إلى العامليْن الآتييْن:
1) اعتماد الكيان الغاصب على الدعم الغربيّ (الاقتصاديّ والسياسيّ والديبلوماسيّ والأكاديميّ والثقافيّ) من أجل إدامة نظامه العنصريّ والاستعماريّ، بملحظ أنّ هذا الكيان يحظى بأكبر قدْرٍ من المساعدات من بين كلّ دول العالم قاطبةً.
2) اعتماد هذا الكيان على صادراته (بلغتْ في العام 2010 أكثرَ من 55 بليون دولار، نصفُها تقريبًا إلى الولايات المتّحدة، وأهمُّها في مجال الألماس والسلاح والرقائق الإلكترونيّة والكيماويّات والمعدّات الطبّيّة والطعام). وبذلك، فإنّ "نداء المقاطعة" الذي أطلقه المجتمعُ المدنيُّ الفلسطينيّ سنة 2005 يتخطّى حدودَ أقطارنا العربيّة ليصل إلى شعوب العالم من أجل فرض عزلةٍ شاملةٍ على "إسرائيل" شبيهةٍ بتلك التي أسهمتْ في تقويض نظام الفصل العنصريّ (الأبارتهايد) في جنوب أفريقيا في نهايات القرن الماضي.
خاتمة:
من الواضح أن تنامي قوة حركة المقاطعة وفي مقدمتها حركة ال"بي دي إس" في العالم وخاصة في الغرب، قد شكَّل مصدر إزعاج رئيسي للقيادة الإسرائيلية التي بدأت تتخوّف من فقدان مكانتها في العالم. كما زادت من قلق القيادة الإسرائيلية التغطية الإعلامية المتزايدة التي بدأت تحظى بها الحركة من قِبل وسائل إعلامية مختلفة ومؤثِّرة مثل الـ بي بي سي، ونيويورك تايمز، والغارديان وغيرها، وهو ما أسهم في شرحٍ أوسع لأهداف الحركة واستراتيجياتها، وبالتالي زيادة الوعي بأهداف الحركة وإمكانية جذب أنصار جدد.
لم تستطع جميع الإجراءات الإسرائيلية حتى الآن وقف تمدُّد مقاطعة إسرائيل من قِبل بعض المؤسسات والشركات في أوروبا وأميركا ودول آسيا. ويمكن القول: إن توسُّع المقاطعة يعني أن الاحتلال أصبح أكثر كلفة لإسرائيل، وبالتالي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تغيير قواعد اللعبة داخليًّا.
ولكن، بالرغم من النجاح المتصاعد للحركة على الصعيد الدولي إلا أن تأثيرها في الداخل الفلسطيني لا يزال هشًّا، وهو ما يشكِّل نقطة ضعف رئيسية في زيادة كلفة الاحتلال الإسرائيلي. فقد فشلت الحركة حتى الآن في التحوُّل إلى حركة شعبية في الأراضي المحتلة عام 1967، والتي تعتبر سوقًا رائجًا ومهمًّا للبضائع الإسرائيلية.
ومع أن النجاحات المؤخَّرة لإسرائيل في قمع بعض الناشطين أو إصدار بعض القوانين المحلية ضد مقاطعة إسرائيل قد تنجح في التشكيك بقدرة الحركة ومستقبلها؛ إلا أن من الواضح أن رسائل الحركة قد أقنعت عددًا كبيرًا من مجالس الطلبة، والجامعات، والنقابات العمالية، والفنانين، والمؤسسات الاقتصادية على مستوى العالم بجدوى المقاطعة.