يسود المسجد الأقصى المبارك، والبلدة القديمة في القدس المحتلة، منذ ساعات صباح اليوم الأربعاء 20/2/2019م، حالة من الترقب والحذر الشديدين وسط انتشار واسع لقوات الاحتلال، بعد ليلة ساخنة شهدتها المنطقة أصاب خلالها الاحتلال واعتقل عشرات المصلين من الأقصى المبارك.
ونقل مراسلون في القدس المحتلة عن محامي هيئة شؤون الأسرى محمد محمود قوله انه لم يصدر أي جديد بخصوص الشبان والفتية الذين اعتُقلوا ليلة أمس، وما إذا كان سيتم عرضهم على محكمة الاحتلال أو الافراج عنهم، علماً أن قوات الاحتلال اعتقلت وأصابت أكثر من عشرين مُصليا خلال اعتدائها عليهم في منطقة باب الرحمة داخل المسجد الاقصى الليلة الماضية.
وأشار مراسلون الى وجود انتشار واسع لقوات ودوريات الاحتلال الراجلة في شوارع وطرقات وأسواق البلدة القديمة المفضية الى المسجد الاقصى وعلى بوابات البلدة والمسجد الاقصى.
في الوقت نفسه، جددت عصابات المستوطنين اقتحاماتها الاستفزازية للمسجد الاقصى من باب المغاربة، في الوقت الذي تسود فيه حالة من التوتر في المسجد وسط المزيد من الدعوات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمواطنين بضرورة التوجه الى المسجد المبارك والمشاركة في الصلوات في منطقة باب الرحمة.
ويطالب المصلون بفتح مبنى ومُصلى باب الرحمة أمام المصلين والأوقاف الاسلامية علما أن الاحتلال أغلق المبنى عام 2003م بذرائع واهية ولصالح مخططات خبيثة أفصحت عنها جماعات المعبد التي دعت الى اقامة كنيس يهودي داخل المسجد الأقصى وتحديدا في منطقة باب الرحمة تحت اسم "كنيس باب الرحمة" تمهيدا لإقامة هيكل ثالث مكان مسجد قبة الصخرة المشرفة في المسجد الأقصى.
وفي وقت سابق قال رئيس مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية في القدس الشيخ عبد العظيم سلهب "إن الجهود ستتواصل لتمكين الأوقاف من ممارسة حقها الطبيعي من ترميم مُصلى باب الرحمة" وافتتاحه للصلاة فيه، وستعمل الأوقاف ما تراه مناسبا للحفاظ على المكان والمصلى؛ ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يكون هذا المكان مهجورا تتهدده المخاطر".
جاءت تصريحات الشيخ سلهب خلال جولة له ولعدد من أعضاء مجلس الأوقاف في منطقة "باب الرحمة" داخل المسجد الأقصى اليوم.
وشدد الشيخ سلهب على أن المسجد الأقصى خط أحمر، ولا يمكن لأي مسلم أن يتنازل عن ذرة تراب منه.
وقال: "مجلس الأوقاف حينما زار "باب الرحمة" مارس حقه الطبيعي في الحفاظ على جزء هام ومُصلى من مُصليات المسجد الأقصى، وما قامت به سلطات الاحتلال مرفوض وهو اعتداء على حرمة وقدسية المسجد، ومن حق المصلين أن يُصلّوا في أي بقعة من هذا المسجد المبارك".
وأشاد رئيس مجلس الأوقاف بالوقفة المشرفة للمواطنين والمشايخ والأوقاف ومن ثم دور حكومة العاهل الاردني في الحفاظ على المسجد الاقصى والقيام بدورها الطبيعي الريادي الذي مارسته لأكثر من قرن من الزمان.
ومن ناحيته دعا الدكتور أحمد أبو حلبية رئيس مؤسسة القدس الدولية في فلسطين المواطنين المقدسيين والأهالي الفلسطينيين من المناطق الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948م لتكثيف تواجدهم وإقامة الصلوات بشكل دائم أمام باب الرحمة في المسجد الأقصى المبارك، واستمرار الفعاليات الشعبية والجماهيرية لمنع محاولات الاحتلال تغيير الوضع الحالي لمنطقة باب الرحمة المغلق والسيطرة عليه وفتحه وتحويل مبناه إلى كنيس يهودي.
ولفت أبو حلبية إلى أن قطعان المستوطنين وبحراسة قوات الاحتلال كثفوا تواجدهم خلال الفترة السابقة في منطقة باب الرحمة في خطوة أولية للسيطرة على المنطقة الشرقية الشمالية وخلق مشهد جديد يكون تواجدهم في هذا المنطقة وأدائهم شعائر تلمودية أمر مألوف.
ودعا أبو حلبية وزارة الأوقاف الأردنية -التي تتولى إدارة الأقصى بقرار دولي- لاتخاذ قرار بفتح مبنى باب الرحمة بشكل دائم واستغلاله كمرفق تابع للمدارس الشرعية داخل المسجد الأقصى أو إتباعه للدوائر المعرفية التابعة للوزارة داخل المسجد الأقصى.
لماذا يحاول الاحتلال السيطرة على باب الرحمة وما علاقة ذلك ببناء الهيكل؟
تضاعفت محاولات قوات الاحتلال في الأيام الأخيرة للسيطرة على باب الرحمة في مدينة القدس وإغلاقه، ضمن الهجمة الشرسة التي تشنها بحق المقدسيين والأماكن التراثية والتاريخية، والتي كان آخرها أمس الثلاثاء بإعلان الباب ثكنة عسكرية مغلقة، ليظل التساؤل الذي يطرح نفسه مستمراً: ماذا تريد دولة الاحتلال "إسرائيل" من هذا الباب؟
إن باب الرحمة ذو أهمية كبيرة بالنسبة للمسلمين والفلسطينيين، فهو يقع وسط المسجد الأقصى المبارك من الناحية الشرقية، وهو جزء لا يتجزأ من المسجد الأقصى، كما أنه الباب الوحيد المرشح بأن يفتح بوابتيه الكبيرتين المغلقتين، حيث يمكن للمصلين الدخول والخروج منه مباشرة دون المرور بالبلدة القديمة في القدس بأزقتها الضيقة المكتظة.
وقدسية الباب مماثلة تماما لقدسية المسجد الأقصى المبارك، لذلك يصر المقدسيون على استعادة الباب من قبضة الاحتلال الذي يلف حبل المشنقة على عنق باب الرحمة.
وهناك جملة من العوامل شجعت الاحتلال على هكذا خطوة، أهمها الموقف العربي والدولي الهزيل تجاه القضية الفلسطينية والقدس خاصة في ظل وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الداعم لـ "إسرائيل" والمستوطنين، وحالة الهلع العربي على "العروش والكروش"، إضافة إلى الموقف السياسي الفلسطيني المتراخي.
وإن من أهم الأسباب للتغول حول باب الرحمة، وجود ما يقارب 26 منظمة يهودية متطرفة في القدس، ضاغطة في هذا الاتجاه. ويهدف نتنياهو من هذه الاستهدافات للمسجد الأقصى ومحيطه، إلى تحقيق نتائج و"إنجازات" في الانتخابات المقبلة المزمع عقدها مطلع نيسان المقبل، حيث إنه يعول على اليمين الإسرائيلي للفوز برئاسة حكومة الاحتلال المقبلة.
ويرى االيهود في باب الرحمة، طوق النجاة لمشروع الهيكل المزعوم والخطوة الأولى نحو تحقيق ذلك، فهو الباب الأقرب لقبة الصخرة، وهو الوحيد الذي يمكّن المستوطنين من الدخول بسهولة وأمان إلى الأقصى، حيث مهدوا لذلك بالاستيلاء على جزء من مقبرة باب الرحمة قبل عدة أعوام. وهو الأمر الذي جعلهم يتمسكون بباب الرحمة واعتقال كل من يمر من الباب أو يقترب منه.
ومما يذكر في هذا الأمر أن هناك اتفاق بين شرطة الاحتلال والأوقاف في القدس يقضي بإزالة السلاسل والأقفال التي وضعها الاحتلال ووضع سلاسل وأقفال من قبل وزارة الأوقاف في القدس تحت رعاية شرطة الاحتلال.
وبدوره حذر مفتي القدس محمد حسنين، من خطورة إجراءات الاحتلال مؤكدا على ضرورة عدم السماح له بتمرير مخططاته، وشدد حسنين على أن المسجد الأقصى لن يضم أي كنيس يهودي من خلال الاستيلاء على باب الرحمة.
ويشار أن الاحتلال الإسرائيلي أصدر قرارا بإغلاق باب الرحمة عام 2003، ويقوم بتجديد القرار عسكريا بشكل سنوي ويمنع الفلسطينيين من الدخول منه على الرغم من قرار العاهل الأردني عبد الله الثاني بفتح الباب إلا أن أوامر الاحتلال هي من تسري على أرض الواقع.
ويبلغ ارتفاع باب الرحمة 11.5 م، ويوجد داخل مبنى مرتفع وهو مكون من بوابتين الرحمة جنوبا والتوبة شمالا.
وترجع أهمية هذا الباب إلى أنه دمر في أكثر من حرب، ويؤكد الباحثون أنه بني بأمر من الخليفة الأموي مروان بن عبد الملك ثم جدد هذا البناء في عهد صلاح الدين الأيوبي، ويظن البعض أنه بني بقطعة واحدة من الحجر.
ولباب الرحمة عدة أسماء، منها البوابة الأبدية والبوابة الدهرية وباب توما وباب الحكم وباب القضاء. واستخدم المبنى الواقع داخل الباب من جهة المسجد الأقصى قاعة للصلاة.
ويعتقد، أن هذا الباب يشغل حيزا كبيرا في المعتقدات التوراتية، فهم يعتقدون (التوراتيون) أن المسيح عيسى عليه السلام دخل منه وأنه من سيفتحه في المستقبل، وهو ما يقود لبناء الهيكل المزعوم، وهذا المعتقد سائد لدى المسيحية الصهيونية.