الموقف الشرعي من إجراءات الأمان والحجر الصحي لمواجهة فايروس كورونا

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد.

فينبغي على المسلم عند انتشار الأوبئة أن يستعين بالله تعالى، ويتوكل عليه، قال تعالى: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)، وقد ورد دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُنُونِ، وَالْجُذَامِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ" [أخرجه أبو داود (1554)، والنسائي (5493) وقال عنه الألباني: صحيح].

ومن كمال التوكل على الله في مواجهة الأوبئة والفايروسات الأخذ بأسباب الوقاية والتشافي، فقد وردت أحاديث نبوية صحيحة تدعو إلى عدم دخول الأرض التي دخلها الطاعون أو الخروج منها عند دخوله ونحن فيها، وقال صلى الله عليه وسلم: "لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ" [أخرجه مسلم في صحيحه (2221)]؛ وذلك أخذًا بأسباب السلامة والوقاية.

وأمام انتشار فايروس كورونا عالميًا، المعروف بسرعة انتشاره، ومحدودية السيطرة عليه، يتحتم على أهل قطاع غزة -الذي لم يكتشف فيه حالات مصابة بفضل الله عز وجل-، أن يأخذوا بكامل إجراءات الأمان والوقاية، إذ الوقاية لا تتطلب إمكانات ومعدات، فهي الوسيلة الفعالة المتاحة لأهل قطاع غزة، وخاصة أن المرافق الطبية والتجهيزات والأجهزة والأدوية شحيحة، فيلزم الآتي:

 أولًا: يجب شرعًا التزام التوجيهات الطبية الصادرة عن وزارة الصحة والجهات المختصة بشأن الاحتياطات اللازمة لأجل الوقاية من فايروس كورونا، والتي من أهمها: المحافظة على نظافة البدن والملابس والأطعمة والمرافق، والإكثار من غسل الأيدي وتعقيمها، وترك معانقة الآخرين ومصافحتهم؛ لاحتمالية انتقال العدوى نتيجة ذلك.

ثانيًا: الحد من التجمعات العامة، والمخالطة في الأماكن المزدحمة، وعدم التعرض لأسباب العدوى والضرر، ويمكن للمصابين بشيء من أعراض الانفلونزا ولكبار السن ضعيفي المناعة الصلاة في بيوتهم، فالخوف من الضرر يعد عذرًا شرعيًا للتخلف عن صلاة الجماعة والتجمعات المشروعة، فقد جاء رجل مجذوم مع وفد ثقيف ليبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: "ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ" [أخرجه ابن ماجه في سننه (3544)، وقال عنه الألباني: صحيح].

ثالثًا: إخبار الجهات الطبية حال وجود شبهة إصابة، والإفصاح عن ذلك من غير كتمان؛ لما ينشأ عن الكتمان من إضرار بالنفس والآخرين، ففي الحديث: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" [متفق عليه]، فمن يخفي إصابته فقد ارتكب جريمتين؛ جريمة الكذب والإخفاء والتدليس، وجريمة التسبب في إضرار الآخرين وانتشار الأوبئة، وكل من يصيبه هذا المرض بسببه يتحمل قسطه من الإثم والعدوان.

رابعًا: ضرورة التزام المسافرين العائدين إلى قطاع غزة لبيوتهم، والاعتذار عن مقابلة الزوار قبل انتهاء مدة الحجر الصحي التي يوصي بها الأطباء، والتي لا تقل عن أربعة عشر يومًا؛ وذلك لأجل الوقاية حال السلامة من المرض، وخشية انتشاره إن كان موجودًا، فالتسبب في نقل العدوى حرام شرعًا، وعليه فإن الذي لا يلتزم الحجر الصحي البيتي أو في الأماكن المخصصة لذلك، يعد مفرطًا مقصرًا يخشى عليه من الوقوع في الإثم.

خامسًا: يلزم الجهات الحكومية حال اكتشاف حالة مصابة بالفايروس أو الاشتباه بها، إجراء الحجر الصحي الإجباري، والحزم في الإجراءات، وتوفير مكانٍ مخصصٍ يتكلفون فيه تبعات الحجر.

سادسًا: الاطمئنان لأقدار الله تعالى، وعدم تضخيم الأمر بما يُشعر بالهلع والذعر، فالله لا يقدر إلا الخير، فلو أصيب المسلم بالمرض رغم أخذه بالأسباب وصبر فأجره عظيم عند الله عز وجل، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فأخبرني: "أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ، فَيَمْكُثُ فِي بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، يَعْلَمُ أَنَّهُ لاَ يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ". [أخرجه البخاري: 3474]

نسأل الله تعالى السلامة والمعافاة من الأمراض والأوبئة وسيئ الأسقام ????

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية