كلمة العلماء في المسيرة العلمائية أمام المركز الثقافي الفرنسي نصرةً للنبي - صلى الله عليه وسلم

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا" (الأحزاب:57]

الحمد لله رب العالمين، الذي جعلنا مسلمين، وبديننا مستمسكين، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم، ونبينا العظيم، الذي أرسله ربه للعالمين بشيراً ونذيراً، أما بعد:

فقد آلمنا كثيراً أن يسيء قوم يتغنون بالديمقراطية إلى ديننا، وعقيدتنا، وقرة عيننا؛ حبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولكنه آلمنا أكثر وأكثر أن تصدر الإساءة المتعمدة عن جهة مسؤولة على مستوى رئيس دولة ديمقراطية، تتغنى بحرية المعتقد، وحرية الأديان، وتجرم النيل منها، وتمنع العدوان.

وإننا علماءَ فلسطين لنقول لمن يسيء إلينا، وبالفم الملآن:

إن من الوقاحة بمكان أن تتخذ حرية الرأي والتعبير ذريعة للإساءة إلى الآخرين.

وإن من الإجرام النَّكِد أن تكون حرية الرأي والتعبير مطية للعدوان على عقيدة المسلمين، ورسولهم الكريم.

إنها العنصرية العمياء، وازدواجية المعايير، وسياسة التمييز القائمة على الكيل بمكيالين.

قال وزير خارجية فنلندا كلمة حق معلقاً على هذه الأحداث المؤسفة:

عجباً؛ فالذي يسب يهودياً يتهم بمعاداة السامية.

والذي يسب امرأة يتهم بالتمييز الجنسي.

والذي يسب أسود البشرة يتهم بالعنصرية.

والذي يسب الشواذ يتهم بالعداء للمثلية.

أما الذي يسب مسلماً فيدخل في حماية حرية التعبير!!!

وإننا في وقفتنا هذه لنبعث إليكم، وإلى العالم أجمع، عدة رسائل واضحات:

الرسالة الأولى: إن محمداً – صلى الله عليه وسلم - رحمةٌ مهداة للعالمين جميعاً؛ كما قال ربنا في سورة الأنبياء من كتابه العظيم: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".

فأعمِلوا عقولَكم، وتعقَّـلوا أمرَكم، واستقبلوا رسالةَ الله إليكم: أن هذا النبي الذي تُعادونه أرسله الله رحمةً لكم؛ فآمنوا به واتبِعوه تُفلِحوا، فإن لم تؤمنوا به فلا تُعادوه، ولا تسيئوا إلى دينه الذي جاء به من رب العالمين.

الرسالة الثانية: إن تطاول الأقـزام على عقيدة المسلمين، ورسولِهم الكريمِ خيرِ البشر لا يجلب لأصحابه خيراً، ولا يحقق لِحُكمهم استقراراً، ولا يبسط لِبُلدانهم امناً، ولا يؤَمِّنُ لهم مُلكاً، ولا يحفظ لهم سؤدداً.

كيف لا؟! والله هو الذي يدافع عن دينه؛ فيُطيحُ بمَن صَدَّ عنه، وهو الذي ينتصر لنبيه؛ فينتقم ممن عاداه، وإذا كان الله جل وعلا قد قال في حديثه القُدْسي: (من عادى لي وَلِيًّا، فقد آذنته بالحرب)، فكيف بمن عادى نبيًّا هو سيد الخلق والأولياء أجمعين؟

الرسالة الثالثة: إن التعرض لأي نبي من أنبياء الله، وخاصة إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، لهو جريمة نكراء، وخطيئة كبرى؛ فالإسلام يحترم الأنبياء جميعاً.

الرسالة الرابعة: إن التعرض لعقيدة ملايين المسلمين بالسوء، والنيلَ من رسولهم بالتشويه والتحقير، يُنبئُ عن عنصرية متجذرة، وحقد دفين، ضد الإسلام وأهله، وهو عمل يستفـز مشاعر المسلمين، ويحرق قلوبهم، ويوغِـر صدورهم، وهذا سيضر قطعاً بالعلاقات الإنسانية بين الأمم؛ لأنه يغرس الحقد في النفوس، وينشر الكراهية في القلوب، ويولد التطرف والعنصرية والعنف بين الشعوب.

الرسالة الخامسة: إن المسلم الذي يغار على دينه، ويدافع عن نبيه ليس إرهابياً؛ إنما الإرهابي هو الذي يستفز مشاعر المسلمين، ويحتقر دينهم، وينال من عقيدتهم، ويسيء إلى نبيهم، ويحرمهم من ممارسة عبادتهم، ويقهرهم على مخالفة تعاليم دينهم، وتركِ ما أوجب عليهم ربهم، ويمنع نساءهم من ارتداء حجابهن الذي يحفظ لهن عِفَّـتَهُنَّ وطُهرَهُنَّ.

الرسالة السادسة: إن كنتم ـ يا قـومُ ـ تقصدون من الإساءة لعقيدتنا أن تصرفوا الناس عن ديننا؛ فلا يؤمنوا به، وإن كنتم تريدون من الإساءة لنبينا أن تشوهوا صورته في أذهان البشر؛ فلا يتبعوه، فاعلموا أنكم مخطئون، ولِدِين ربنا تخدُمون؛ فإن ربنا وربَّكم جل في علاه قد قال عنكم، وعن أسلافكم، في كتابه الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم: "يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)" سورة التوبة.

وكما قال الشاعر:

وإذا أراد الله نشر فضيلة ** طُويت أتاح لها لسان حسود

لولا اشتعالُ النار فيما جاورت ** ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود

الرسالة السابعة: ندعو المسلمين في أرجاء المعمورة إلى القيام بواجب النصرة لدينهم، والذود عن نبيهم، وفق الأساليب المشروعة، والوسائلِ المنضبطة بأدب الإسلام، وتعاليمه، وأحكامه، بما لا يُسيءُ إلى طهر الدين، أو يؤدي إلى تشويه الصورة، انسجاماً مع قول ربنا: "وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" الأنعام (108).

الرسالة الثامنة: إن هذه الأحداثَ الجسامَ لتوجب على الأمة المسلمة أن تقدم النموذج المشرق الناصع لهذا الدين؛ بحُسن تَديُّنها، وحُبِّها لِنبيها، واتباعها لِسُنته، وجميل تعاملها مع الناس.

كما يجب على علماء المسلمين، والمؤسسات الشرعية؛ الرسمية والشعبية، وشباب الإسلام أن ينشطوا في تعريف غير المسلمين بسماحة ديننا، وصفاء عقيدتنا، وجميل هَدي نبينا.

وقد يسَّرَ الله لنا في هذه الحقبة من الزمن وسائل للتواصل بين الناس ما كانت متوفرة من قبل؛ فلنغـتنمها؛ لأن الناس في أجواء هذه الهجمة الشرسة يتساءلون: من هو هذا النبي الذي يُساء إليه؛ فَـيُسَبُّ ويُشتم؟ وما هو هذا الدين الذي يُعادَى، ويُحاصَر أتباعه ويلاحقون؟

إنهم بحاجة ماسة إلى التعرف عليه، وتقريبه إليهم؛ ليدخلوا في دين الله أفواجاً، وحينها يتحقق قول الله تعالى: "ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله" فاطر 43.

قال الله تعالى: "وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ، وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ، وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47)" سورة إبراهيم.

وختاماً: ندعو كافة شعوبنا المسلمة إلى ضرورة مقاطعة البضائع والمنتجات الفرنسية؛ استيراداً واستهلاكاً وترويجاً.

وصلى الله على سيدنا وحبيبنا وأمامنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله، وصحبه، وسلم.