تشغيل التكبير في الأسواق والطرقات

راسلنِي أحدُ طلبةِ العلمِ مستفسراً عن فتوَى يتناقلُها عددٌ من النّشطاءِ تُحرِّمُ تشغيلَ مقاطعِ التَّكبيرِ فِي الأسواقِ، والمحلَّاتِ، والبيوتِ، في أيّامِ العشرِ الأوائلِ مِن ذِي الحجّةَ؛ بدعوَى أنّها بدعةٌ لم تكُن موجودةً في زمنِ السّلفِ الصّالِحِ، وقد حررتُ لهُ جوابَ هذه المسألةِ في النّقاطِ الخمسِ التّاليةِ:
 
1. اعلَمْ - أيَّدكَ اللهُ - أنَّهُ يستحبُّ للنَّاسِ رفعُ أصواتِهِم بالتَّكبِيرِ والتَّحمِيدِ والتَّهليلِ فِي هذهِ الأيَّامِ المُباركَة؛ لما ثبت في حديثِ ابْنِ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنهُما أنّ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ) [أحمد: 6154]، وهَذا هُوَ فعلُ الصَّحابَةِ رضِيَ اللهُ عنهُم، فقد روَى البُخاريُّ فِي صحيحِهِ مُعلَّقاً: (كَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رضيَ اللهٌ عنهُم يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا) [البخاري: 2/20].
 
2. إذَا كانَ التَّكبيرُ فِي هذهِ الأيّامِ المُباركَةِ مشروعاً ومحبوباً؛ فإنَّ الحثَّ عليهِ، والدَّعوةَ إليهِ، والتَّذكيرَ بهِ مشروعٌ كذلكَ؛ لأنَّ الوسائِلَ تأخذُ حُكمَ المقاصِدِ؛ ولأنَّ ذلكَ مِن الأمرِ بالمَعرُوفِ، والتَّواصِي بالحقِّ والصَّبرِ، ورفعُ الأصوَاتِ المُسَجَّلَةِ بتكبيرَاتِ العِيدِ إنَّما هُوَ ممَّا يُنبِّه الغَافِلَ، ويذكِّرُ النَّاسِيَ، فهو مشروعٌ مِن هذا البابِ إن شاءَ اللهُ.
 
3. إنَّ القولَ بمنعِ تشغيلِ مقاطِعِ التَّكبيرِ المُسجَّلَةِ في البيوتِ والمحلَّاتِ والأسواقِ؛ بدعوَى كونِهَا بدعةً أمرٌ لَا يستقِيمُ لثَلاثةِ اعتبَارَاتٍ:
 
الأوَّلُ: إنَّ البِدعَةَ المُتَّفَقَ عَلَى تَحرِيمِهَا هِيَ: الطَّرِيقَةُ المُختَرَعَةُ فِي الدِّينِ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ، بِحَيثُ يُقصَدُ بِهَا التَّعَبُّدُ والتَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ [الاعتصامُ للشَّاطِبِيِّ: 1/18]؛ كَتَعظِيمِ اللهِ بِالرَّقْصِ، واخْتِرَاعِ صَلَاةٍ سَادِسَةٍ، والاستِغَاثَةِ بِالأَمْوَاتِ، فعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا، مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ) [البخاري: 2697].
 
الثَّانِي: إِنَّ تشغيلَ مَقَاطِعِ التَّكبِيرِ المُسجَّلَةِ يدخُلُ فِي الوَسَائِلِ لَا المَقَاصِدِ؛ إِذ يُقصَدُ بِهَا تذكيرُ النّاسِ بالتَّكبيرِ، ورفعُ الصَّوتِ بهِ، وإظهارُ البَهجةِ بالعيدِ، وَمَعلُومٌ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ الأَصلَ فِي مِثلِ هَذِهِ الوَسَائِلِ المُقَصَّدَةِ أنَهَّا لَا تُوصَفُ فِي ذَاتِهَا بِبِدعَةٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَلَا يُحكَمُ عَلَيهَا بِحِلٍّ وَلَا حُرمَةٍ، وَإِنَّمَا تَكتَسِبُ مَشرُوعِيَّتَهَا مِنَ المَقَاصَدِ المَرجُوَّةِ مِنْهَا.
 
الثَّالِثُ: إنَّ البِدعَةَ إنَّمَا تكونُ فِي شَيءٍ وُجِدَ سبَبُهُ فِي عَهدِ السَّلَفِ ولَم يفعلُوه، أمَّا مُسجِّلُ الصَّوتِ فحَادِثٌ لَم يكُن فِي العهودِ السَّالفَة، وَشَأنُه فِي ذَلِكَ شَأنُ مُكَبِّرَاتِ الصَّوتِ المُستَعْمَلَةِ فِي الأَذَانِ اليَومَ، ومثلُهَا مَا يُركَّبُ فِي أبوَابِ المحلَّاتِ، وفي المَصاعِدِ، وبعضِ السَّيَّاراتِ؛ للتَّذكِيرِ بأذكارِ الخُروجِ والوُلوجِ، وأدعيَةِ الرُّكوبِ، والصُّعودِ، والنُّزولِ.
 
4. الأَصْلُ فِي الشَّرِيعَةِ استِحْبَابُ حَثِّ النَّاسِ عَلَى الخَيْرِ وَالطَّاعَةِ، بِكُلِّ طَرِيقَةٍ مَشرُوعَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِا، وَلَو كَانَتْ جَدِيدَةً، مَا لَم تَكُنْ حَرَاماً فِي ذَاتِهَا؛ فعَن جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ النّبيَّ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَنَّ سُنَّةَ خَيْرٍ، فَاتُّبِعَ عَلَيْهَا، فَلَهُ أَجْرُهُ وَمِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) [الترمذِيُّ: 2675، وقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ].
 
5. إنَّ القولَ بمشروعيَّةِ تشغيلِ مقاطِعِ التَّكبيرِ المُسجَّلَةِ فِي البُيوتِ والمَحلَّاتِ والأسوَاقِ شَرطُهُ ألَّا يترتَّبَ عليهِ أذيَّةُ النَّاسِ، أو التَّشويشُ عليهِمِ؛ فإنَّ أذيةَ المُؤمِنِ حَرَامٌ، كما يلزمُ فيهِ البُعدُ عَن المبالغَةِ والتَّنطّعِ.
 
واللهُ تعالَى أعلمُ.
 
✍️ محمد سليمان نصر الله الفرا
رابطة علماء فلسطين - خان يونس
الأحد 5 ذي الحجة 1441 ه‍
المـوافـق 26 تـمـوز 2020 م