بِشْر خير بشهر صفر .. رغــم الوباء والضرر

رسائل الأوقاف لمواجهة وباء كورونا

الرسالة العشرون: «بِشْر خير بشهر صفر .. رغــم الوباء والضرر».

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، أما بعد:

فإن حقيقة بشارة التفاؤل والخير لا يأتي من فراغ، بل هو منطلق من إيمان راسخ بالله عز وجل، وحسن الظن به، والعمل المتواصل وتجاوز العراقيل، وهمة تناطح عنان السماء، فتغرس في النفوس يقينا أنه ما بعد الخوف أمنا، ومن بعد العسر يسرًا، ومن كل ضيق يجعل فرجًا، ومن كل هم مخرجاً. فعن أبي هريرة، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ» قيل: يا رسول الله وما الفأل؟ قال: «الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ» [صحيح مسلم].

إن التشاؤم بالأزمان والأشخاص والأماكن عمل من أعمال الجاهلية؛ فمن الناس يتشاءم بشهر من الشهور كشهر صفر وأنه شر، ويكثر فيه الموتى والبلاء، إلا أن هذا الأمر لا يصح عليه دليل، وكل الأحوال مقدر في كتاب جليل عند رب العالمين لا دخل للأيام والشهور فيها، قال الله تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [التوبة:36].

تشاؤم منهي عنه شرعًا:

كان العرب في الجاهلية قبل الإسلام عندهم منكر عظيم في شهر صفر هو التلاعب في تقديم وتأخير الشهور حسب الأهواء، قال الزبيدي: *"إن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر، وهو النسيء، ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك سنة بعد سنة، فينتقل المحرم من شهر إلى شهر، حتى يجعلوه في جميع شهور السنة". *

والتشاؤم في هذا الشهر، وأنه شهر حلول الكوارث والأزمات والمصائب، لأنهم يعودون من الغزو القتل بعد الكف عنها في الأشهر الحرم، ومن معتقداتهم الباطلة من يريد الزواج لا يتزوج في هذا الشهر، فلما جاء الإسلام هدم معتقدهم الباطل، وأشرق بفجر الحق، وأن شهر صفر كسائر الأوقات، كما صح في الحديث عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ يقول: «لا عدوى ولا طيرة ...» [رواه البخاري]، والطيرة: هي التشاؤم، وزاد مسلم «... ولا يورد ممرضٌ على مصح» [رواه مسلم]، وهو نفي ما كانت تعتقده العرب في الجاهلية من الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير وقضاء الله لذلك.

إحسان الظن بالله:

أحسنوا الظن بالله تعالى، وكونوا على يقين بأن مقاليد السماوات والأرض بيده تبارك وتعالى، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، والإنسان المتشائم هو إنسانٌ منهزمٌ أمام نفسه، والإنسان المتفائل هو القادر على نفسه، وهو المتبع لهدي رسول الله ﷺ، الذي كان يحب التفاؤل، ويعجبه الفأل الحسن، لأن التفاؤل يدخل على الإنسان الفرح والسرور والبهجة وانشراح الصدر، ويدفعه إلى العمل، ويفتح أبواب الأمل؛ والعبد المؤمن يكون متفائلاً لا متشائماً، فالمصائب لا تزعزع يقينه، والفواجع لا تفل عزيمته، والحوادث لا تضعف إيمانه، فيكون ممن تحقق بالحديث الشريف الذي رواه ابن ماجة، قال رسول الله ﷺ: «إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه».

مقارنة بين المتفائل والمتشائم:

- فالمتفائل: مجدٌ على الدوام لا يعرف الإحباط والضرر، ويرى الحياة حقا له وحقا للآخرين.

- والمتشائم: ظالمٌ لنفسه يرى غيره أسعد منه، ثم هو يريد أن يكون أسعد من الآخرين، وهل مثل هذا يحقق السعادة لنفسه؟

- والمتفائل: يطلب المعاذير والمخارج لسلامة طويته وانشراح صدره.

- والمتشائم: يشتغل بالعيوب، ويـحشر نفسه في المضائق لظلمة باطنه.

وأخيراً..

يجب ألا يكون للتشاؤم حظ بيننا لما حل بنا من وباء بسبب فايروس كورونا، بل يجب علينا أن نعتقد أن الله تعالى سيرفع عنا هذا الوباء والبلاء، وعليه يجب نكون إيجابيين متفائلين ملتزمين بإجراءات السلامة متعاونين مع جهات الاختصاص، سائلين المولى عز وجل لنا ولشعبنا السلامة والعافية.

مع تحيات| الإدارة العامة للوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف.

الجمعة: 1. صفر 1442 هـ

الموافق: 2020/9/18 م