الأخوة الإيمانية سياجٌ لحفظ المجتمع

رسائل الأوقاف لمواجهة وباء كورونا..

الرسالة السابعة والعشرون: «الأخوة الإيمانية سياجٌ لحفظ المجتمع».

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ، أما بعد:

إن الأخوة في معناها العام: هي درجة من درجات القرابة والدم، تجعل للمرء على أخيه حقوقًا لا متناهية، وواجباتٍ لا تعد ولا تحصى، ولكن الأخوة في الإسلام جاءت بمفاهيمَ مغايرةٍ وغير تقليدية، فصارت الأخوة مفهومًا عظيمًا، وعلاقاتٍ واسعة، متحررةً من رباط النسب والدم، موثوقةً برباط أهمَّ وأعظم، وهو الرباط الإلهي، غايتها رضاه -سبحانه وتعالى- وبلوغ الجنة، فالأخوةُ والمحبة والارتباط لأجله - سبحانه - جعلت الغني في الإسلام أخًا للفقير دون استكبار، والأبيضَ أخًا للأسود دون تمييز، والحرَّ أخًا للمستعبد دون فضل، ووثقت وثاق الأخوة بأعظم المواثيق، وهو ميثاق المحبة في الله، فقال النبي ﷺ: "المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلِمُه ولا يُسلِمُه" [صحيح ابن حبان].

ولقد رسخت الأخوة في الله وفي الإسلام لمفاهيمَ اجتماعيةٍ وإنسانية، ما يزال ينادي بها وينادي لتقنينها، وتطبيقها عمليًّا وميدانيًّا، فكانت دولة الإسلام هي الراعيَ الحق للنموذج العملي والميداني الذي طبق هذه القيم وهذه المفاهيم بشكل ما زال يدعو للدهشة والانبهار، بما قدمته هذه الرسالة الأخلاقية للإنسانية، فكانت مقاومة ووقاية من الأمراض التي يعاني منها الفرد والجماعة عبر الأزمنة، ومنها:

الوقاية من الأمراض الفردية التي تنعكس علي المجتمع.

فالأخوة في الإسلام تضمن للمؤمنين -الذين يعملون بحقها- الوقايةَ من جميع الأمراض الداخلية التي قد تعتري النفوس: كالكره، والبغض، والحسد، والغلظة، والتلاعن، والاستعلاء، وغيرها من هذه الأمراض الفردية، التي قد تنعكس على المجتمعات الإنسانية وتدعوها إلى الانحطاط والتراجع؛ وذلك لأن الإخوة المؤمنين من الطبيعي أن يأتمروا بأوامر الله ورسوله ﷺ وينتهوا به.

الأخوة في الإسلام وقاية من الكره والتباغض بالقلوب:

فقد حث الرسول الكريم ﷺ الإخوة المؤمنين المتحابين في الله، على سلامة الصدور، والتحرر من هذه الأمراض، ففيما روى أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَباغَضُوا، ولا تَحاسَدُوا، ولا تَدابَرُوا، وكُونُوا عِبادَ اللَّهِ إخْوانًا، ولا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ" [أخرجه البخاري ومسلم].

فأقل درجات الأخوة في الإسلام تبدأ بصفاء النية، وسلامة القلب من المسلم تجاه أخيه المسلم، وتنتهي بأعلى درجات العطاء والمنح: درجة الإيثار ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:9].

فالكره والتباغض بالقلوب، قد يؤدي إلى القطيعة بالأفعال والأقوال أيضًا، والأخوة بفطرتها السليمة، وبنظامها المشروع في الإسلام - تنهى عن الكره والتباغض.

 وقاية من الحسد والغل:

فالحسد بين الإخوة المتحابين في الله، المتمسكين بشرائعه لعبةٌ شيطانية، حذر منها الرسول الكريم، فقال ﷺ قولَه المأثور الكريم: "إنَّ الشَّيْطانَ قدْ أيِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بيْنَهُمْ" [رواه مسلم].

ويتضح من هذا الحديث الشريف أن هناك ارتباطًا بين التباغض والتحاسد‏، فالتحاسد هو أن يحسد الإنسان شخصًا آخر على ما أنعم الله عليه به‏،‏ وأن يتمنى زوال نعمته‏، ولا يمكن أن يتمنى الأخ المؤمن زوالَ نعمة أخيه المؤمن، أو زوال نعمة أي شخص يحبه؛ فالأخوة تضمن للمؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يكون في عونه دائمًا؛ لأن الله سيكون له سندًا وعونًا، فالأخوة الإسلامية توجب سلامةَ الصدر ونقاءه من الغل والحسد، بالصور التي قد تنعكس على المجتمعات التي تنتشر فيها، وتدعوها للتراجع.

وإن ما دفعنا للحديث حول هذا الموضوع ما نراه من بعض حالات التباغض والكراهية والغل والحسد نتيجة الحجر المنزلي الاضطراري بسبب جائحة كورونا، فإن ضيق العيش وعدم استثمار الوقت بما هو نافع ومفيد مدعاة إلى ظهور مثل هذه السلوكيات الخاطئة بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الجيران والعائلات.

راجين من الله سبحانه وتعالى أن يرفع عنا ما نحن فيه من بلاء ووباء، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

مع تحيات |

الإدارة العامة للوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف.

السبت: 15. صفر 1442 هـ

الموافق: 2020/10/3 م