عَلَيْكُمْ بِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ فَإِنَّهَا مِنْ وَاجِبَاتِ الشَّرْعِ

عَلَيْكُمْ بِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ فَإِنَّهَا مِنْ وَاجِبَاتِ الشَّرْعِ

أَيُّهَا الْأَهْلُ الْكُرَمَاءُ فِي فِلَسْطِينَ الْعَزِيزَةِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ:

أَتَمَنَّى لَكُمْ جَمِيعَاً الْأَمْنَ وَالْعَافِيَةَ، وَبَعْدُ:

▪️ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الدِّينُ النَّصِيحَةُ) قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: (لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ).

وَإِنِّي أَنْصَحُ لَكُمْ أَنْ تَأَخُذُوا إِجْرَاءَاتِ الْوِقَايَةِ مِنْ جَائِحَةِ كُورُونَا أَخْذَاً يُنَاسِبُ خُطُورَتَهَا، وَيَلِيقُ بِسَلَامَةِ أَبْدَانِكُمْ؛ فَإِنَّهَا جَائِحَةٌ مُوهِنَةٌ لِلْبَدَنِ، وَقَدْ تَكُونُ قَاتِلَةً أَحْيَانَاً، وَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَهَى عَنِ التَّهَاوُنِ فِي أَسْبَابِ الْوِقَايَةِ مِنَ الْوَبَاءِ الْمُعْدِي، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَا يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ)، وَهُوَ نَهْيٌ صَرِيحٌ عَنْ دُخُولِ الْمَرِيضِ بِالْوَبَاءِ الْمُعْدِي عَلَى الصَّحِيحِ، وَفِي مَعْنَاهُ: النَّهْيُ عَنْ دُخُولِ الصَّحِيحِ عَلَى الْمَرِيضِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ الْخُلْطَةُ بَيْنَ حَامِلِ الْمَرَضِ، وَغَيْرِ حَامِلِهِ، وَالنَّهْيُ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقِيقَةِ مَعْنَاهُ وَهُوَ التَّحْرِيمُ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى: يَحْرُمُ عَلَى الْمَرِيضِ بِالْوَبَاءِ الْمُعْدِي الدُّخُولُ عَلَى الصَّحِيحِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ الدُّخُولُ عَلَى الْمَرِيضِ، وَالْحَرَامُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: مَا يَأْثَمُ فَاعِلُهُ، وَيُثَابُ تَارِكُهُ.

وَمِنَ الْأحَادِيثِ الرَّاعِيَةِ لِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُزْءِ حَدِيثِهِ: (وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الْأَسَدِ)، وَإِلْحَاقُ الْجُذَامِ وَالْوَبَاءِ الْمُعْدِي بِالْأَسَدِ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ اعْتِبَاطَاً؛ بَلْ لِغَرَضِ التَّذْكِيرِ بِشَرِّهِمَا عَلَى أَهْلِ الْعَافِيَةِ، فَكَمَا يَفِرُّ الْعَاقِلُ مِنَ الْأَسَدِ اتِّقَاءً لِشَرِّهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَفِرَّ مِنَ الْوَبَاءِ الْمُعْدِي اتِّقَاءً لِشَرِّهِ، وَالْأَمْرُ فِي الْحَدِيثِ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ، وَيَأْثَمُ تَارِكُهُ.

وَعَلَى ضَوْءِ هَذَا الْمَعْنَى: فَإِنَّ الْمُرَاعِي لِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ مَأْجُورٌ، وَإِنَّ الْمُتَهَاوِنَ بِهَا آثِمٌ مَأْزُورٌ، وَالْوِزْرُ يَعْظُمُ كُلَّمَا تَعَاظَمَ الشَّرُّ بِنَقْلِ الْعَدْوَى إِلَى عَدَدٍ أَكْبَرُ مِنْ أَهْلِ الْعَافِيَةِ.

وَمِنَ الْأَحَادِيثِ الرَّاعِيَةِ لِأَسْبَابِ الْوِقَايَةِ حَدِيثُ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِشَأْنِ الطَّاعُونِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُزْءِ حَدِيثِهِ: (فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ، فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَفِرُّوا مِنْهُ)، كَأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اتَّقُوا الْوَبَاءَ فِي أَنْفُسِكُمْ جَهْدَكُمْ، وَإِذَا أُصِبْتُمْ بِهِ فَاحْذَرُوا أَنْ تَنْقُلُوهُ إِلَى غَيْرِكُمْ، فَإِذَا نَزَلَ بِبَلَدٍ؛ فَلَا تَدْخُلُوهَا اتِّقَاءً لِلْمَرَضِ، وَإِذَا أُصِبْتُمْ بِهِ فِي بَلَدٍ؛ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا لِتَنْقُلُوهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَالنَّهْيُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّحْرِيمِ، فَإِذَا وَفَّيْتُمْ؛ أُجِرْتُمْ عِنْدَ اللهِ، وَإِذَا فَرَّطْتُمْ أَثِمْتُمْ عِنْدَ اللهِ، بِمَا أَصَابَكُمْ؛ لِتَهَاوُنِكُمْ، وَبِمَا تَسَبَّبْتُمْ مِنْ إِصَابَةٍ فِي غَيْرِكُمْ.

فَهَذِهِ تَوْجِيهَاتُ نَبِيِّكُمُ الَّتِي نَثَرَهَا لَكُمْ رَجَاءَ سَلَامَتِكُمْ، فَتَمَسَّكُوا بِهَا، وَلَا تُعْرِضُوا عَنْهَا فَيَمَسَّكُمْ عِقَابٌ شَدِيدٌ، وَحِرْمَانٌ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مَعَ السَّابِقِينَ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7].

وَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى).

تَنْبِيهٌ: لَا يُفْهَمُ مِنْ قَرَارِ الِانْفِرَاجِ الصَّادِرِ مِنَ الْجِهَاتِ الْمُخْتَصَّةِ فِي وَزَارَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَالصِّحَّةِ، وَالْأَوْقَافِ بِخُصُوصِ بَعْضِ الْمُحَافَظَاتِ، وَحُرِّيَّةِ التَّنَقُّلِ بَيْنَهَا، وَفَتْحِ مَسَاجِدِهَا؛ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدِ انْكَشَفَ، وَلَغَتْ أَسْبَابُ الْوِقَايَةِ، وَلِلنَّاسِ أَنْ يَؤُمُّوا الْمَسَاجِدَ فِي الْجُمَعِ وَالْجَمَاعَاتِ كَالْمُعْتَادِ فِي أَيَّامِ الْعَافِيَةِ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، إِذْ مَا زَالَ الْوَبَاءُ فِي الْقِطَاعِ نَاشِطَاً، وَمَا زَالَتْ دَوَاعِي الْوِقَايَةِ مَطْلُوبَةً، وَأَنَّ الْمُتَهَاوِنَ فِيهَا آثِمٌ، وَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ قَرَارِ الِانْفِرَاجِ فِي بَعْضِ الْمُحَافَظَاتِ إِعْمَالُ فِقْهِ الْمُوَازَنَاتِ الدَّاعِي إِلَى مَنْحِ النَّاسِ فُسْحَةً فِي التَّنَقُّلِ ضِمْنَ مُرَاعَاةِ أَسْبَابِ الْوِقَايَةِ؛ لِيَشْهَدُوا بَعْضَ مَصَالِحِهِمُ الْحَيَاتِيَّةِ، وَإِحْيَاءَ شَعِيرَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ، مَعَ بَقَاءِ رُخْصَةِ أَدَائِهَا فِي الْبُيُوتِ قَائِمَاً، وَلَوْ كَانَتْ ثَمَّةَ بَدَائِلُ تُحَقِّقُ لِلنَّاسِ قَضَاءَ الْحَوَائِجِ؛ لَبَقِيَ قَرَارُ الْعَزِيمَةِ عَلَى حَالِهِ حَتَّى يَزُولَ الْوَبَاءُ؛ وَلِذَا نَرْجُو مِنْ أَهْلِنَا فِي الْقِطَاعِ كُلِّهِ: الِاهْتِمَامَ بَإِجْرَاءَاتِ السَّلَامَةِ، وَعَدَمَ التَّهَاوُنِ بِهَا.

وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يَنْزِلَ هَذَا النُّصْحُ مِنْ قُلُوبِكُمْ مَنْزِلَ الْقَبُولِ، وَأَسْأَلُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَحْفَظَكُمْ وَيَحْرُسَكُمْ، وَيَكْشِفَ عَنْكُمُ الدَّاءَ وَالْوَبَاءَ، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ، وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

كَتَبَهُ أ. د. سَلْمَانُ نَصْرُ الدَّايَة
أُسْتَاذُ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ بِكُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ وَالْقَانُونِ الْجَامِعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ بِغَزَّةَ

18 صفر 1442هـ
الموافق: 5/11/2020م.