حينما تَطغى «البرستيجيّة» على «الإنسانيّة»!!

إنصـاف:

مما لا شك فيه أن إنزال الناس مَنازلهم هو توجيه نبوي، وأمر أدبي وأخلاقي، وعُرف مُتبع؛ ففي الحديث الصحيح تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: «أَمرَنا رسولُ اللهِ ﷺ أنْ نُنزِّلَ الناسَ مَنازلَهُمْ» [أخرجه أبو يعلى في مسنده].

وفي الحديث إرشادٌ إلى إكرامِ وُجوهِ الناس وتَبجيلِهم، والإحسان إليهم وتألُّفِهم؛ وأحقُّ الخلْق بالإكرام والتَّبجيل: الأنبياء، والأئمَّة، ومَن يَخلُفُهم مِن أُولي الأمْر، والعُلماء، والسَّادة، ومن ولّاهم الله -تبارك وتعالى- على الناس لإدارة شؤون حياتهم.

البِطـانة السيئـة:

وإن بعض هؤلاء حينما يرتقي مرتقىً صعباً -بِقَدر الله- يُبتلى ببطانة سوء تُزيّن له ذلك المُرتقى، وتبدأ -بذريعة البرستيجية- تسلخ هذا المسؤول من إنسانيته حتى تُنْسيه نفسه.

أَوغـل بِرفـق.. وإلا!

ومع شديد تلك الوساوس الخنّاسية يبدأ الانفصام النكد بين "البرستيجية" و"الإنسانية"، ويأخذ الانفصام موقعاً له ويتمركُزٍ في نفسه حتى يُصَدّقها ويُصَدّقهم؛ ومع مرور الأيام تتحول تلك الإجراءات البرستيجية إلى خُلُقٍ ذميمٍ ومرض عضال لا يمكن تركه أو البُرء منه.

تـدرجٌ فـي الانهيـار:

والنتيجة ارتحال الإنسانية من داخله، فلم يعد يشعر بما يدور حوله، ظاهره أنه يسير نحو الأمام، وفي الحقيقة أنه لم يزل يُراوح مكانه؛ فلا مشاعر عنده تتحرك تجاه الآخرين، سواء أكان ذلك في أفراحهم أو أحزانهم، حتى المُجاملات تَفرّ من داخله، وتزداد أموره صعوبة بسبب الانغماس الزائد في عالم البرستيج، حتى لسانه يتيبس فلم يعد تُسعفه كلمات الثناء، ولا المدح، ولا التحفيز، ويغلب على كلماته طابع الفوقية والأنا ولا أريكم إلا ما أرى.

تصحيح المسار:

إن التوازن في جميع أمور حياتنا الدينية، والدنيوية، حتى الإدارية أمر مطلوب، وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَورَثنَا الكِتابَ الَّذينَ اصطَفَينا مِن عِبادِنا فَمِنهُم ظالِمٌ لِنَفسِهِ وَمِنهُم مُقتَصِدٌ وَمِنهُم سابِقٌ بِالخَيراتِ بِإِذنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الفَضلُ الكَبيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]، وكان من دعاء رسول الله ﷺ: «وأسألُكَ القصدَ في الفقرِ والغِنَى» [أخرجه النَسائي].

فالتوازن والوسطية سمة من سمات المسلم المتوازن.

وأختم بما قاله الشافعي وهو يُرشد تلميذه يونس بن عبد الأعلى، قائلاً له: "يا يونس: الانقباض عن الناس مَكسبة للعداوة، والانبساط إليهم مَجلبة لقُرناء السوء، فكن بين المنقبض والمنبسط".

وآخـر دعـوانا أنِ الحَمـدُ لله رب العالمـين.

كتبـه:

أ. وفا محمود عياد "أبو محمود"

مدير دائرة الرقابة الإدارية والفنية بوزارة الأوقاف.