للزاهدين في الأضحية

1. اتّفقَ أهلُ الإسلامِ سَلفاً وخلَفاً علَى أنّ الأضحيّةَ شعيرةٌ من شعائرِ الإسلامِ الظّاهرة، يَتقرَّبُ بها المُسلمُ إلى اللهِ، وعلى أنَّ تعظيمَها علامةٌ مِن علاماتِ الإيمانِ والتّقوَى، قالَ اللهُ تعالَى: {ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]، وقَد ضحَّى النّبيُّ ﷺ عَن نفْسِه، وعَن أُمَّتِه.
2. ذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ إلى أنَّ الأضحيّةَ سُنّةٌ مؤكدةٌ فِي حقِّ المُوسرِ القادرِ عليهَا، وضبطَ السّادةُ المَالكيّةُ حدَّ اليَسارَ بقُدرةِ المُكلّفِ على التّضحيةِ دونَ أن تلحقَهُ مشقّةٌ في مالِه أو نفقةِ عيالِه، وضبطَهُ الشّافعيّةُ والحنابلةُ بملكِ ثمنِها زائداً عن قوتِه وقوتِه عيالِه يومَ العيدِ وأيّامَ التّشريقِ بعدَه.
3. ذهبَ الإمامُ الأعظمُ أبو حنيفةَ النّعمانُ رحمَهُ الله إلى القولِ بوجوبِ الأضحيّةِ فِي حقّ مَن كانَ غنيّاً مالكاً لنِصابِ الزّكاةِ، والقولُ بوجوبها مرويٌّ عن الإمامِ مالكٍ رحمَه الله، وهو هو اختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميّة رحمَه اللهُ؛ استناداً لحديثِ أبي هريرةَ رضيَ اللهُ عنهُ مرفوعاً: (مَن وَجد سَعةً فَلم يُضَحِّ فلا يَقرَبْ مُصَلَّانَا) [أحمد: 8273].
والمعنَى: إن تاركَ التّضحيةِ مَع القُدرةِ عليها ليسَ أهلاً لحضورِ مُصَلَّى المسلِمين في العيدِ؛ زَجرًا وعُقوبةً له على بُخلِه، وبذلك يَفوتُه حُضورُ فَرحتِهم ودُعائِهم، وهذا مِن الحثِّ الأكيدِ على الأُضحيَّةِ، والإتيانِ بها لِمَن قَدَرَ عليها، وليسَ المرادُ أنَّ صِحَّةَ الصَّلاةِ تتوقَّفُ على الأُضحيَّةِ.
4. إنّ استحبابَ الأضحيّةَ أو وجوبَها منوطٌ بقُدرةِ المُكلّفِ علَيها، وليسَت مُرتبطةً بالحَالةِ العامّةِ للبلادِ، بل إنّ ازيادَ الفقرِ والبطالةِ والعوَزِ في البلادِ أدعَى لأن يكونَ الموسرُ حَريصاً علَى التّضحيةِ؛ لتَحقيقِ مقاصِدها؛ مِن التّوسِعةِ على العِيالِ، وصِلةِ الأرحامِ، وإطعامِ الفقراءِ والمَساكينِ.
ويشهدُ لذلكَ حديثُ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا قالَت: دَفَّ أهلُ أبيَاتٍ مِن الباديَةِ حضْرَة الأَضْحَى، زمنَ رسولِ الله ﷺ؛ فقالَ ﷺ: (ادَّخِرُوا ثلاثاً، ثُمّ تَصَدّقُوا بمَا بقيَ)، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ قال ﷺ: (إنَّما نهيتُكُم مِن أجلِ الدَّافَّة التي دَفَّتْ؛ فكُلُوا وادّخِرُوا وتَصَدّقُوا) [مسلم: 1971].
والدّفُّ سَيْرٌ سريعٌ وتَقارُبٌ فِي الخُطَى، ومعنَى الحديثِ أنَّ الأعرابَ أقْبَلوا مِن الباديةِ، بسَببِ ضِيق أحوالِهِم، والجُوعِ الذِي أصابَهُم؛ رجاءَ أنْ يحصُلوا على شَيءٍ من اللَّحمِ عندَ دُخول عيدِ الأضحَى، فنهَى رسولُ اللهِ ﷺ عن ادّخارِ لحومِ الأضاحِي فوقَ ثلاثةِ أيّامٍ؛ لتَحقيقِ معنَى التّكافلِ، وتفقُّدِ المحتاحينَ، وإطعامِ الأعرَابِ الوَافدينَ إلى المَدينةِ.
واللهُ تعالَى أعلمُ.
✍️ محمد سليمان نصر الله الفرا
الخميس 27 ذي القعدة 1441 ه
الـمــوافــق 18 تـمــــوز 2020 م