مقاصد الأضحية

1. ترسيخُ مفهومِ الاستسلَامِ للهِ تعالَى، والتَّسليمِ لحُكمِهِ، والرِّضَا بقَضائِهِ؛ ذلكَ أنَّها تُذكِّرُنَا بإبراهِيمَ عليهِ السَّلامُ الذِي سلَّمَ لأمرِ رَبِّهِ لمَّا رأى فِي المنَامِ أنَّهُ يذبحُ ولدَهُ، قالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 102 – 107].
 
2. إنَّ الأضَاحِي قَد شُرِعَت لإحيَاءِ العُبوديَّةِ للهِ فِي الأرضِ، وتوحِيدِهِ وذِكرِهِ، قالَ تعَالَى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ} [الحج: 28]، بخلَافِ المُشركِينَ الذِينَ كانُوا يذكرُونَ أسمَاءَ أصنَامِهِم علَى قَرابِينهِم، بل قالَ تعَالَى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج: 34]، فيُستَدَلُّ بوحدَةِ الشَّرائِعِ علَى وَحدانيَّةِ المُشَرِّعِ.
 
3. فِي الأضَاحِي تعظِيمٌ لشَعائرِ اللهِ، وذلكَ مِن علامَاتِ تقوَى القُلُوبِ، قالَ تعالَى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ} [الحج: 36]، فاستِسمَانُهَا، واستِحسَانُهَا، وبذلُ المالِ فِي شرائِهَا، علامَةٌ علَى تعظِيمِ شعائِرِ اللهِ، قالَ تعَالَى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32].
 
4. تظهَرُ فِي مشروعيَّةِ الأضَاحِي مِنَّةٌ اللهِ عَلَينَا بإباحَةِ بهيمَةِ الأنعَامِ وتَسخِيرِهَا لنا، وخَاصَّةً مَا كانَ قُربَةً منهَا، خلافاً للأُمَمِ السَّابِقَةِ؛ فقَد حرُمَ عليهِمُ الأكلُ مِن قرابينِهِم، وكانَت عَلامَةُ قَبُولِها أن تنزلَ نارٌ مِن السَّمَاءِ لتأكُلَهَا، فَاكتَفَى اللهُ مِنَّا بإراقَةِ الدَّمِ، وأباحَ لنَا اللَّحمَ، وأوكَلَ الأمرَ لنوَايَانا، وستَرَها عَلَيْنَا فِي الدُّنيَا ولَم يَفضَحْنَا، قالَ تعالَى: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج: 37].
 
5. شُكرُ اللهِ علَى نِعمَةِ المَالِ، ونِعمَةِ الحَيَاةِ، أمَّا نِعمَةُ المَالِ؛ فلأنَّ الأضحيَّةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِن غنِيٍّ، وأمَّا نعمَةُ الحيَاةِ؛ فإِنَّ اللهَ مَدَّ فِي أعمَارِنَا عَاماً آخَرَ لنكسَبَ فيهِ مِن الطَّاعَاتِ، فيعودُ العِيدُ علينَا، فنشكرُ اللهَ علَى ذلكَ بتقدِيمِ بهيمَةِ الأنعَامِ، فيكونُ الشُّكرُ بالعَمَلِ، قالَ تعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
 
6. إنَّ النَّفسَ بحاجَةِ إلَى فِدَاءٍ مِن آفَاتِ الدُّنيَا ونَارِ الآخرَةِ، والأضحيَّةُ فِيهَا ذلكَ، ولِذَلكَ قالَ تعَالَى حِكَايَةً عَن إسماعيلَ عليهِ السَّلَامُ: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107].
 
7. نَيلُ الأجرِ، ومغفرةُ الذُّنُوبِ، فعَنْ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (يَا فَاطِمَةُ قَوْمِي إِلَى أُضْحِيَّتِكَ فَاشْهَدِيهَا فَإِنَّهُ يُغْفَرُ لَكِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنْ دَمِهَا كُلُّ ذَنْبٍ عَمِلْتِيهِ) [المستدرك: 7524، وقالَ: صحيحٌ].
 
8. التَّوسِعَةُ على النَّفسِ، والأهلِ، والأرحَامِ، والفُقرَاءِ فِي أيَّامِ العِيد، ولذلِكَ حَرُمَ صَومُهَا، فعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ) [مسلم: 1141].
 
9. إظهَارُ البَهجَةِ بالعِيدِ، فهُوَ يومُ فرَحٍ وسُرُورٍ، وأفراحُ المُؤمِنِينَ فِي الدُّنيَا تَكونُ إذَا فازُوا بإكمَالِ طاعَةِ مولاهُم، وحَازُوا ثَوابَ أعمالِهِم، ولذلكَ كانَت أعيَادُنَا مسبوقةً بعبادَةٍ وصَبرٍ، ملحُوقَةً بثوابٍ وأجرٍ، قَالَ تعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].
 
واللهُ تعالَى أعلمُ.
 
✍️ محمد سليمان نصر الله الفرا
رابطة علماء فلسطين - خان يونس
الاثنين 6 ذي الحجة 1441 ه‍
المـوافـــق 27 تـمـوز 2020 م